مذكرات بحّار..
مراجعة كتاب:
مذكرات بحّار.. قراءة في ثنائيات معاصرة

تأليف: أبو بكر غاليغو
ترجمة: د. بسام بشير
دار الثقافة والتراث، دمشق، ط1، 2006
145 صفحة من القطع الصغير
عرض: أحمد دعدوش
أبو بكر غاليغو، كاتب إسباني متميز، اعتنق الإسلام بعد رحلة طويلة ومثيرة في البحث عن الحقيقة، ابتدأها في سن السابعة عشرة عندما قرأ كتابه الأول في نقد الكاثوليكية، فالتحق بكليتي الحقوق والتاريخ في جامعة سَراقسطة، وسرعان ما وجد نفسه- تحت تأثير المد اليساري- في أحضان الشيوعية، ولكن الحس الجمالي الذي يفيض من أعماقه دفعه للفرار من طغيان الجنرال “فرانكو” إلى باريس لدراسة الأدب والفلسفة في السوربون، حيث قُدر له أن يلتقي بأحد أقطاب البوذية فأسلم له العقل والروح، وترجم معظم كتبه إلى الأسبانية، ثم لم يلبث أن تابع رحلاته في أنحاء أوربا، ليلتقي بزوجته في عاصمة بولندا “وارسو” ويعود بها إلى موطنه، بيد أن أسئلة كثيرة ظلت معلقة في ذهنه دون إجابة، ليعود مجدداً إلى المسيحية بعد أن طعّمها ببوذية الزن “Zen”، ويجد نفسه أمام تناقض جديد وأشد ضراوة، ثم يفاجأ بقمع المشرفة على جلساته التأملية التي حظرت عليه طرح تلك الأسئلة العميقة، فاتخذ قراره الصارم باعتزال مجتمعه الذي اغترب عنه، ومنع ولديه من متابعة الدراسة في المدارس الرسمية ليتولى تعليمهما بنفسه، حتى وصل به الحال إلى التفكير جدياً باللجوء إلى إحدى قبائل الهنود الحمر في أمريكا!
ولكن يد العناية الإلهية كانت في انتظاره على غير ميعاد، إذ فوجئ في إحدى رحلاته العائلية إلى غرناطة بدين مختلف لم يخطر على باله من قبل، ووجد في سلوك المسلمين وشعائرهم ما يكفي من الفضول لطرح أسئلته المعلقة، فكان قراره الحاسم باعتناق الإسلام مع زوجته وولديه، ثم هجرته إلى الشرق ليقيم في إسطنبول بضع سنوات قبل أن يحط رحاله في دمشق مع مطلع الألفية الجديدة، ويبدأ رحلته الفكرية التأملية في مكتبه الدافئ الذي يحتل علّية داره الدمشقي- الأندلسي، حيث التقيته غير مرة، مبحراً معه في تأملاته النقدية لكل من الحضارة الغربية والتخلف الشرقي على حد سواء، وقد استوقفني كتابه الصغير “مذكرات بحار” طويلاً، لما وجدت فيه من عمق الطرح وروعة الأسلوب، والذي يضم ثلاث فصول نوجز الحديث عنها في هذا العرض السريع.
البدء بتجريد العقل
يأتي الفصل الأول تحت عنوان (أفكار ومعتقدات)، ويتعرض المؤلف فيه لقضية مهمة في نظرية المعرفة، إذ يبين أن الأفكار لا تزيد عن كونها مجرد خواطر يتبناها الفكر كعناصر قابلة للتبديل حسب الظروف، وهي تحتمل درجات مختلفة من الحقيقة، إذ تتفاوت بين الخرافة والحقيقة العلمية، أما المعتقدات فهي لا تلتمع في الذهن بهذه السرعة، كما أنها لا تُبنى بفعل تفكيرنا الخاص أو بناء على خواطرنا وتبريراتنا، بل تمثل محيط الحياة الذي نعيش فيه والقاعدة الأساسية التي تقوم عليها قراراتنا. لذا فإن الرجل المثقف الأبيض- على سبيل المثال- قد يكرر على أسماعنا الكثير من المواعظ في نبذ العنصرية تجاه السود وضرورة المساواة، بينما
















