مذكرات بحّار..
21 فبراير 2009 - مصنف في: كتب فلسفة | كتب بواسطة: أحمد دعدوش | عدد القراء:709 |مراجعة كتاب:
مذكرات بحّار.. قراءة في ثنائيات معاصرة

تأليف: أبو بكر غاليغو
ترجمة: د. بسام بشير
دار الثقافة والتراث، دمشق، ط1، 2006
145 صفحة من القطع الصغير
عرض: أحمد دعدوش
أبو بكر غاليغو، كاتب إسباني متميز، اعتنق الإسلام بعد رحلة طويلة ومثيرة في البحث عن الحقيقة، ابتدأها في سن السابعة عشرة عندما قرأ كتابه الأول في نقد الكاثوليكية، فالتحق بكليتي الحقوق والتاريخ في جامعة سَراقسطة، وسرعان ما وجد نفسه- تحت تأثير المد اليساري- في أحضان الشيوعية، ولكن الحس الجمالي الذي يفيض من أعماقه دفعه للفرار من طغيان الجنرال “فرانكو” إلى باريس لدراسة الأدب والفلسفة في السوربون، حيث قُدر له أن يلتقي بأحد أقطاب البوذية فأسلم له العقل والروح، وترجم معظم كتبه إلى الأسبانية، ثم لم يلبث أن تابع رحلاته في أنحاء أوربا، ليلتقي بزوجته في عاصمة بولندا “وارسو” ويعود بها إلى موطنه، بيد أن أسئلة كثيرة ظلت معلقة في ذهنه دون إجابة، ليعود مجدداً إلى المسيحية بعد أن طعّمها ببوذية الزن “Zen”، ويجد نفسه أمام تناقض جديد وأشد ضراوة، ثم يفاجأ بقمع المشرفة على جلساته التأملية التي حظرت عليه طرح تلك الأسئلة العميقة، فاتخذ قراره الصارم باعتزال مجتمعه الذي اغترب عنه، ومنع ولديه من متابعة الدراسة في المدارس الرسمية ليتولى تعليمهما بنفسه، حتى وصل به الحال إلى التفكير جدياً باللجوء إلى إحدى قبائل الهنود الحمر في أمريكا!
ولكن يد العناية الإلهية كانت في انتظاره على غير ميعاد، إذ فوجئ في إحدى رحلاته العائلية إلى غرناطة بدين مختلف لم يخطر على باله من قبل، ووجد في سلوك المسلمين وشعائرهم ما يكفي من الفضول لطرح أسئلته المعلقة، فكان قراره الحاسم باعتناق الإسلام مع زوجته وولديه، ثم هجرته إلى الشرق ليقيم في إسطنبول بضع سنوات قبل أن يحط رحاله في دمشق مع مطلع الألفية الجديدة، ويبدأ رحلته الفكرية التأملية في مكتبه الدافئ الذي يحتل علّية داره الدمشقي- الأندلسي، حيث التقيته غير مرة، مبحراً معه في تأملاته النقدية لكل من الحضارة الغربية والتخلف الشرقي على حد سواء، وقد استوقفني كتابه الصغير “مذكرات بحار” طويلاً، لما وجدت فيه من عمق الطرح وروعة الأسلوب، والذي يضم ثلاث فصول نوجز الحديث عنها في هذا العرض السريع.
البدء بتجريد العقل
يأتي الفصل الأول تحت عنوان (أفكار ومعتقدات)، ويتعرض المؤلف فيه لقضية مهمة في نظرية المعرفة، إذ يبين أن الأفكار لا تزيد عن كونها مجرد خواطر يتبناها الفكر كعناصر قابلة للتبديل حسب الظروف، وهي تحتمل درجات مختلفة من الحقيقة، إذ تتفاوت بين الخرافة والحقيقة العلمية، أما المعتقدات فهي لا تلتمع في الذهن بهذه السرعة، كما أنها لا تُبنى بفعل تفكيرنا الخاص أو بناء على خواطرنا وتبريراتنا، بل تمثل محيط الحياة الذي نعيش فيه والقاعدة الأساسية التي تقوم عليها قراراتنا. لذا فإن الرجل المثقف الأبيض- على سبيل المثال- قد يكرر على أسماعنا الكثير من المواعظ في نبذ العنصرية تجاه السود وضرورة المساواة، بينما
تجده يثور غضبا إذا ما تقدم شاب أسود لخطبة ابنته، فنبذُ العنصرية عنده لا يعدو أن يكون مجرد فكرة أو خاطرة قد يطول دفاعه عنها، دون أن تمسّ بعدُ قاعدةَ معتقداته الراسخة في أعماقه.
لقد وصل الإمام الغزالي إلى هذا التمييز بعد رحلته الفكرية الشاقة، إذ وجد أن المبادئ الأولى (الضرورات العقلية) لا تحتاج إلى أي سند عقلي للبرهنة عليها، وأن تجريد هذه المبادئ- والتي أسماها بالنور الذي يقذفه الله في الصدر- عن الأفكار والخواطر التي نكتسبها من التربية والبيئة هو الكفيل بإنقاذ العقل من عجزه عن الوصول إلى الحقيقة، وهذا هو بالضبط المنهج الذي اعتمد عليه ديكارت فيما بعد.
وقد مر الأنبياء أنفسهم بهذه الرحلة، إذ نشأ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام في مجتمع وثني، ولكنهما قاما بإعادة قراءة هذا الموروث في سن النضج، فبدأ إبراهيم (ص) بطرح الأسئلة على قومه، واعتكف محمد (ص) في غار حراء. إذ يمكننا القول هنا بأن الأفكار والخواطر قد تراكمت تحت تأثير ظروف معينة في كل من أور ومكة لتحل محل المعتقدات، حتى استُبدلت الثقافة بالفطرة السليمة. وهنا تأتي ضرورة مراجعة هذه المعتقدات بعرضها على المبادئ الأولى التي يتفق عليها جميع الناس، وهو ما يقوم به الوحي في حثه العقلَ على إعادة البناء، بل إن البيئة التي تطبق تعاليم الإسلام تكاد أن تخلو من التناقضات بين الأفكار والمعتقدات، لكون معتقداتها مبنية في الأصل على الفطرة، فالمسلم الأبيض الذي ينشأ منذ طفولته على نبذ العنصرية لن يكون مضطرا لمناقضة نفسه بين ما يقوله أو يؤمن به، إذ لا يستبطن أصلا في كيانه أي موقف تجاه السود يخشى من ظهوره أو التفكير فيه.
تشويه الحقائق
في الفصل الثاني المعنون بـ (حضارة وبربرية) ينتقد الكاتب ظاهرة التنميط التي يستخدمها الطرف الأقوى غالبا لقلب المفاهيم وتغيير مجرى الأمور لصالحه، فتقسيم العالم مثلا إلى عالمين: متحضر ونامي، يختزل الكثير من الحقائق التي تحكي واحدةً من أبشع صور الاستغلال في التاريخ، ويضرب مثلا طريفا لهذه الظاهرة عندما يفترض أن الكلاب قد تمكنوا في عصر ما من السيطرة على مملكة الحيوانات، ثم يسهب في سرد تفاصيل الثقافة التي سيعممها الكلاب لإثبات أنهم الفصيلة الأفضل من بين جميع المخلوقات، وأن أعداءهم القطط هم الأسوأ على الإطلاق، إذ ستزرع وسائل الإعلام في عقول العامة حقيقة البربرية التي تتمثل في اصطياد الفئران والعصافير، وذلك الجهل التام الذي يعنيه أكل أشواك السمك في مقابل الطبق المتحضر والعلمي الذي يتألف من عظام فخذ البقرة اللذيذ!
وتتجسد هذه المهزلة على نحو أكثر خفاء في حياتنا نحن البشر عندما يميل الأقوى لتعميم قيمه المطلقة على الطرف الأضعف، وللمزيد من التوضيح يسرد الكاتب حوارا شائقا بين “جاهول” المتعطش للمعرفة، والحكيم “فطرونيوس”، يميز فيه الأخير بين المعوز الذي يعيش حياة كريمة بالرغم من قلة متاعه وبين الفقير الذي لا يجد شيئا، ويبين أن الإسلام قد تمكن في بعض مراحله من القضاء واقعيا على الفقر، بينما يفترش مئات المشردين الجرائد في شارع “ماركت ستريت” الراقي في سان فرانسيسكو للنوم إلى جانب ناطحات السحاب. أما التجسيد المعولم لهذه الظاهرة فيبدو لنا مع انتشار القيم الغربية وثقافتها في كل الأمم بالرغم من تناقضها مع البيئة، فالملابس العربية القديمة- على سبيل المثال- كانت قد صُممت بما يتناسب مع طبيعة الطقس السائد، بينما تفرض العولمة اليوم على الجميع ارتداء زي موحد، والأمر نفسه يمتد ليشمل كافة مظاهر الحياة، إذ بات على الجميع أن تُنمط تفاصيل حياتهم اليومية كي لا يبقوا خارج هذه “الحضارة”، تماما كما تفعل القطط التي تضطر للعيش في مجتمع يحكمه الكلاب!
بين العقل والوحي
أما الفصل الثالث (نبوة وشامانية) فيستعرض فيه المؤلف تاريخ الصراع بين الأسطورة والوحي، وبين الشامان- أي الساحر- والنبي، ثم يقرن الساحر بالفيلسوف الذي يدعي العقلانية، إذ يسعى كلاهما للسيطرة على الكون، سواء بالخرافة والوهم أو بالعلم، بينما يستمد النبي معرفته من خالق الكون نفسه.
الشامان- الساحر أو الفيلسوف- يؤلّه نفسه، ويقود العالم لتقديسه، فهو الغاية وبيده الوسيلة، وعلى البقية أن يطيعوا أمره ويكفوا عن طرح الأسئلة، وأن يقنعوا بوسائل الترفيه والإلهاء التي يضخها إليهم باستمرار، وقد يكون مدركاً للحقيقة التي يخفيها عن الناس، ولكنه غير مستعد للتنازل عن لذة السيطرة.
النبي في المقابل لا يدعي لنفسه شيئا، بل هو وسيط بين الإله والبشر، قد يتعرض للإهانة والأذى، ولكنه سرعان ما ينسحب راضيا ليُبرز الإله الذي لا يُعبد سواه، فهو لا يُخفي الأرواح ليدعي القدرة الخارقة، ولا يحتكر العلم للسيطرة على الناس، بل يبذل قصارى جهده لإيصال الرسالة بكل تواضع، كما أنه لا يستخدم المخدرات والرقصات الصوفية، ولا يخفي أياً من الممارسات والأسرار للوصول إلى المعرفة، ولا يتكبر على أتباعه أو يحتكر لنفسه زياً أو مظهراً يميزه عن غيره. الصلاة عنده ركوع وسجود وتجريد للقلب عن كل ما سوى الله، يستوي فيها الصغير والكبير، الغني والفقير، ولا تستدعي قربانا ولا نيرانا، ولا هلوسات تدخل الرهبة في القلوب.
أخيراً، فإن “مذكرات بحار”.. هي حقاً رحلة فكرية ممتعة، تفتح أمام العقل آفاقاً واسعة لإعادة التفكير في الكثير من المسلمات، وتفوح منها روائح شتى للتوابل التي جمعها المؤلف أثناء إبحاره الطويل، ليقدم لنا خلاصة تجربته في طبق شهي يرضي كافة الأذواق.
الكاتب: أحمد دعدوش
باحث ومخرج وثائقي
هذا المقال من ضمن المقالات الفائزة في مسابقة شهر يناير 2009..


21 فبراير 2009 في الساعة 6:32 م
نعم المفكر أبو بكر غاييغو له أفكار و تأملات جدا قيمة
و كتابه مذكرات بحار يعرض فيه بعضا من فلسفته، أعتبره أجمل ما كتب… له كتابان آحران ليسا بنفس المستوى…
لكن له كتاب باللغة الانكليزية أعتبره من كتبه القيمة جدا
Before the sun is folded up
و هو عبارة عن رؤية لكل من الديانات الثلاثة اليهودية و المسيحية و الإسلام على ضوء الانتقال؛ أي كيف انتقلت رسالة الله (التوحيد) عبر التاريخ من دين لآخر و كيف تشوهت في الديانات الأخرى و حُفظت في الإسلام.
بالإضافة لحديثه عن عبثية و سخافة الحياة الغربية و زيفها. و حديثه أيضا عن معاني بعض الكلمات العربية و اقتراحها بديلا عن بعض الكلمات الأجنبية الميتة.
في الكتاب أفكار جديدة و مختلفة. و أسلوبه بحد ذاته غريب و مميز و خصوصا المقاطع الحوارية التي تتخلله، أشبه بالاسكتشات.
أتمنى أن يتم تسليط الضوء على هذا المفكر أكثر إذ أنه غير معروف إلا على مستوى محلي ضيق _للأسف_ و لم ينل ما يستحقه من الاعلام و أتمنى عليه أن يواصل الكتابة أكثر، إذ تجربته و حياته و منولوجه الداخلي و تأملاته بالإضافة لأسلوبه من شأنها أن تسفر عن كتاب سيترك علامة مميزة
أنا في انتظار جديده… إذ أثق بأن لديه ما لم يقله بعد
شكرا على هذا العرض
سلمى
ما رأيك بالتعليق..؟
1
0
21 فبراير 2009 في الساعة 10:00 م
احمد عرضك للكتاب شوقني لقراءته
جاء بشرح وافر واسلوب جميل
جاري البحث عن الكتاب
تقبل شكري
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
22 فبراير 2009 في الساعة 5:32 ص
جميل ومدهش فعلا ..وعرض ثري جدا ..
أحب تلك الكتب التي تحكي عن واقع تجربة .. باذن الله ساسعى لقراءة كتبه
شكرا جزيلا ..
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
23 فبراير 2009 في الساعة 7:17 م
بلا شك.
سيكون هذا الكتاب على رأس قائمتي لكتب معرض الرياض القادم.
شكراً جزيلاً لك
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
25 فبراير 2009 في الساعة 5:39 م
أحبتي القراء،
السلام عليكم جميعاً.. وشكراً لكم على الاهتمام والتعليق.
بخصوص هذا الكتاب وبقية مؤلفات الكاتب فلا أدري إن كانت متوفرة في السعودية، فهو ينشر من خلال دور نشر سورية حيث محل إقامته، ولكن يمكنكم البحث عنها عبر الإنترنت حسب علمي فقد تكون متوفرة للبيع عبر بعض المواقع الأسبانية، مع أني لست متأكدا من ذلك.
تحياتي.
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
27 فبراير 2009 في الساعة 9:52 م
[...] مذكرات بحار : قراءة في ثنائيات معاصرة / أبو بكر غاليغو ( للتعرف على الكتاب [...]
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
28 فبراير 2009 في الساعة 11:42 م
احب اولا ان احييك انا بحثت كثيرا عن مدونه للشعر لكنى لم اوفق كما وانى اعجبت باسلوبك ف السرد ساحاول جاهده ان اجد الكتاب ةاتمنى ان اوفق فى ذلك
تحياتى لك ولكل الاخوة والاخوات
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
28 فبراير 2010 في الساعة 1:30 ص
السلام عليكم
المقال شدني كثيرا لأقرأ هذا الكتاب
لكنني بحثت عنه في محرك البحث الخاص بمعرض الكتاب في الرياض
ولم أجده متوفراً
لذا لست واثقة من امكانية إيجادنا لهذا الكتاب في المعرض
اتمنى ممن يجد يعرف طريقة للحصول عليه ان يفيدنا ..
تحيتي
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0