مقارنة بين البداوة والحضارة، بحث متميز..
19 يوليو 2008 - مصنف في: كتب اجتماع | كتب بواسطة: محمد [أيام] | عدد القراء:2,949 |في معرض الكتاب الدولي 2008 بالرياض لفت نظري الإقبال الهائل على مؤلفات الدكتور علي الوردي مع أن أسعار الكتب الخاصة به كانت غالية جداً، ولأكون أكثر واقعية فلم أكن أعرف من هو هذا الشخص، سئلت عنه وتلقيت نصيحة فورية بشراء كل ما أستطيعه من كتبه وسأعرف لماذا هذا الإقبال على مؤلفاته..
فعلاً اشتريت أغلب كتبه وفي هذه اللحظة أستطيع أن أقول أنني غير نادم أبداً على مافعلت..
احترت في أيها أبدأ القراءة لكنني اخترت الأصغر حجماً والأقل ورقاً..
كتابه المعنون بـ [الأخلاق، الضائع من الموارد الخلقية] كان أول ما قرأت وبإذن الله لن يكون الأخير..
الكتاب كان عبارة عن بحث أجراه الكاتب الدكتور علي الوردي لمجلة الأبحاث الصادرة عن الجامعة الأميركية في بيروت في عام 1958، نعم التاريخ صحيح : ) ..
الكتاب وما فيه من أمثله واستنتاجات صحيحة تماماً لكن بعضها اختلف كثيراً حيث تغيرت الحياة منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.. ومع هذا، فستجدون الكثير من الواقعية في الطرح وإن كانت بعض الأشياء أصبحت من الماضي البعيد.
أعلم أنني لو أطرح رأيي الحقيقي في الكتاب لأصبحت هذه الصفحة مثاراً للمناقشات والحوارات القبلية المتعصبة، لكنني سأحاول الإبتعاد قدر الإمكان عن هذا، ومن قرأ هذا البحث يعرف لماذا أقول هذا الكلام..
البحث في الأساس كان عن الضائع من الأخلاق العربية وجعل أساس هذا البحث المقارنة بين أخلاق البدو والحضر ..
الكتاب رغم أنه يقع في 55 صفحة إلا أنني خرجت بالكثير من الإقتباسات المهمة والواقعية أو الصحيحة قديماً، وقبل أن أنشرها أعتذر إن كانت لا ترضي غرور البعض بأنفسهم، سأحاول أن أكون حيادي في الموضوع وأن أنشر ما أراه صحيحاً بقطع النظر عن أنني بدوي أم حضري : ) ..
قارن الدكتور علي الوردي بين أخلاق البدو والحضر في طريقة عيشهم وكيفية حياتهم وكيف يقتاتون معيشتهم وأشياء أخرى كالإقطاع وأثره على الحياة العامة، ووجود المرابين ومايخلفه ذلك من معيشة سيئة ..
البحث قيّم فعلاً ..
هذه بعض الإقتباسات :
وهنا نسأل: ماهو الأساس الذي تقوم عليه شخصية المجتمع البدوي؟ للجواب على ذلك ينبغي أن نقارن بين الشخصية البدوية والشخصية المناقضة لها أي الشخصية الحضرية. ومن الممكن القول في هذه المناسبة إنَّ الشخصية الحضرية تقوم على “الانتاج”، بينما تقوم الشخصية البدوية على “الاستحواذ”. وشتَّان بي أخلاق الانتاج وأخلاق الاستحواذ كما تعلمون.
والذي يجلس إليهم -أي إلى البدو- ويستمع إلى أحدايثهم بجد إنهم يقيسون الرجولة الكاملة بقياس الغلبة والاستحواذ. وهم إذ يمدحون رجلاً يقولون عنه أنَّه “سبع” يأخذ حقه بذراعه ولايقدر أحد عليه. ومن أكبر العار على أحدهم أن يُقال عنه أنَّه صانع أو حائك. فذلك يعني في نظرهم أنَّه ضعيف يحصل على قوته بعرف جبينه كالنساء ولايحصل عليه بحد السيف. ومن هنا أطلقوا على العمل اليدوي اسم “المهنة”، والمهنة مشتقة من المهانة كما لايخفى.
إن الحضري العريق في حضارته لا يستسيغ هذه القيم البدوية. فهو قد نشأ من طفولته على قيم أخرى، وهو يقدر الناس بمقدار بارعتهم في مهنهم وما يربحون منها. وهو يعد البدو مجرمين سلابين لا يؤمن جانبهم. إنه ينسى أن البدو ينظرون إليه بعين الاحتقار كما ينظر هو إليهم. فهو في نظرهم جبان دليل لاكرامة له ولاحق له في الحياة.
زار الدكتور الفاضل الجمالي قبيلة عنزة في صحراء الشام ودهش حين رآهم يؤمنون بالله ويصلون له ويصومون بينما لايتوانون عن النهب والغزو عندما تحين الفرصة المناسبة. فسألهم عن هذا التناقض فيهم. فكان جوابهم أنَّهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة التفكير في هذا السؤال من قبل.
مشكلة الدكتور الفاضل أنه يقيسهم بمقياس الحضارة التي نشأ فيها. وهو ينسى أن لهم مقاييسهم الخلقية الخاصة بهم. فهم يتخيلون الله مثلهم يحترم الرجل الشجاع القادر على النهب. ومما يدل على ذلك أنهم يتصدقون على أرواح أمواتهم من المال الذي ينهبونه في غاراتهم المجيدة!.
ولا يجوز لنا أن نلوم البدر على أخلاقهم هذه. فالأخلاق في الواقع ليست سوى صورة من صور تكيف البدو لمحيطه. ولو نشأ أحدنا منذ طفولته بين البدو لما استطاع أن يتخذ لنفسه أخلاصاً أخرى. وقد أخطأ المفكرون والقدماء الذي كانوا يستنبطون قواعد الأخلاق من عقولهم المجردة ثم يفرضونها على الناس.
إن الإنسان لايفهم المثل العليا التي جاء بها الفلاسفة الحالمون، إنما هو يجري في سلوكة على نمط ما يحترمه المجتمع عليه: ولو احترم المجتمع فرداً لصار جميع الناس يحاولون أن يكونوا قروداً والعياذ بالله!
الواقع إننا في الوقت الذي نرى البدوي فيه اعتدائياً نهاباً نجده كذلك كريماً شهماً أبياً وفياً إلى درجة لايستطيع الحضري أن يدانيه فيها.
أما في العصور الأخيرة فقد ذهب زمان السيف وحلّت محله الأسلحة النارية. والبدو لا يستيطعون أن ينتجوا هذه الأسلحة أو يحذقوا فنها كما يحذقه المتحضرون، ولهذا شعروا بالعجز عن اجتياح الأمصار المجاوة على منوال ماكانوا يفعلونه قديماً. فهم لا يكادون يتحرشون بالحضر حتى يجدوا المدافع الضخمة قد صوبت عليهم وقذفتهم بشواظ من نار. لقد أدركوا أن بسالتهم القديمة لا تجديهم كثيراً إزاء فوهات المدافع وطلقات النار.
خلاصة ما أردت قوله في هذه الصدد أن الصراع بين البدو والحضر قد اتخذ في العصور القديمة شكلاً جديداً إذ صارت قبائل البدو تتسلل إلى الأمصار المجاورة خلسى فتستقر فيها دون أن تحاول الإستيلاء عليها.
ونراهم يتمسكون بعقيدتهم الدينية تمسكاً شديداً، ويقدسون الأنبياء والأولياء تقديساً لاحد له. وهم قد يعتدون على من يشك في صحة عقيدتهم أو يستهين بالأنبياء والأولياء. ولكنهم في الوقت ذاته لايحترمون من يقتدي في أخلاقه بسيرة الأنبياء والأولياء. ولو فرضنا أن رجلاً منهم أراد أن يلتزم بتعليم الأنبياء فيرد الأذى بالعفو والسيئة بالحسنة لعدو ذلك منه خنوثة وضعفاً، ورمقوه بنظرات الاحتقار.
وتجد أحدهم يُظهر الخشوع والتقوى ويذرف الدموع حين يحدثه الواعظون عن مخافة الله. ولكنه لا يكاد يجتمع إلى أقرانه حتى يأخذ بالحديث عن غزواته وفتكاته وكيف غلب فلاناً أو خدع فلاناً أو “كسر” عين فلا. وهو يضحك عند ذلك بملء شدقيه فخاراً.
فمن الفخار للرجل أن يكون زانياً بنساء غيره. ومن العار عليه أن تكون إحدى نسائه مزنياً بها. ويقع عبء ذلك على المرأة في معظم الأحيان. فقد ورث الناس من البادية أمر احتقار المرأة وعادة قتلها عند الاشتباه بسلوكها. ولكنهم ماتركوا ماكان عليه البدو من شهامة وعفة وإباء.
هنا اقتباسين أظنهما رائعين ولاتفوتوا قرائتهما والتفكير جيداً بهما :
وهناك ناحية أخرى أود أن الفت أنظاركم إليها هي أن زمان الغرور القومي قد ولّى وحلَّ محله زمان الفحص عن الأدوار الاجتماعية والتحري عن الحقائق مهما كانت مُرة. ومن الضار بنا أن نبقى نمدح أنفسنا ونعد قومنا خير الأقوام وأخلاقنا خير الأخلاق. وحين نطّلع على مايكتب الباحثون الغربيون عن معائب مجتمعهم والضائع من أخلاقهم لوجدناهم يأتون بأفظع مما جئت به. والمجتمع الذي ينكر وجود مرض فيه هو كالمسلول الذي ينخر المرض في رئته وهو يأبى أن يستمع إلى ما ينصحه به الطبيب.
إننا لانستطيع إصلاح أخلاق الناس عن طريق المواعظ والنصائح على منوال ماكان القدماء يفعلون قديماً. الأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية التي تحيط بها. وما لم تتغير تلك الظروف فإننا لانأمل أن تتغير الأخلاق كما نهوى. وبهذا يصدق قول القائل : ” غير معيشة المرء تتغير أخلاقه”.
إلى هنا أكون قد انتهيت
، في أمان الله وقراءة ممتعة..
لمعرفة القليل عن الدكتور علي الوردي اضغط هنا
- معلومات عن الكتاب/
- عنوان الكتاب: الأخلاق، الضائع من الموارد الخلقية
- المؤلف: الدكتور علي الوردي
- الناشر: دار الوراق (موقعهم الإلكتروني)
- الطبعة: الأولى 2007م
- عدد الصفحات: 55 من القطع المتوسط
- مكان وتاريخ الشراء: الوراق للنشر- معرض الرياض للكتاب 2008م
- سعر الكتاب لدى النيل والفرات: 3 دولارات أمريكية
- رابط شراء الكتاب من النيل والفرات: هنا



19 يوليو 2008 في الساعة 5:07 م
ياسلام عليك يامحمد والله اقتباسات جدا مفيدة .. وكان اختيارك للكتاب موفق.
لو تسمع بعض المراهقين وهم يتحاورون فيما بينهم تعجب كل العجب لكلامهم !! كل واحد منهم يتكلم عن قبيلته وكيف كانت تحارب جارتها ( وهذا كناية عن الشجاعة المتناهية في رأيهم )، ويتفاخرون بأن قبيلتهم تاج على الرؤوس لايمسه أحد .
شكرا ً يامحمد .. وننتظر تدوينتك القادمة بفارغ الصبر
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
20 يوليو 2008 في الساعة 12:17 م
c’est ça la capacité

mérci pour ton travail
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
21 يوليو 2008 في الساعة 2:14 ص
تدوينة شيقة ومميزة
ربما !!
صدق صلى الله عليه وسلم (أربع من أمتي من أمر الجاهلية ) لا أعتقد بأن القبلية ستختفي من بيننا ..لكن ..ربما خلق لنا الوردي في كتابه هذا سببا قد نجده منطقيا (أو حتى لكي نقنع أنفسنا ونرضيها ببعض مآسي المجتمع )
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
22 يوليو 2008 في الساعة 6:03 م
- حسن، مسرور بإعجابك بالتدوينة ..
فعلاً مايحصل الآن ومانراه يجري بين المراهقين والأطفال شيء يندى له الجبين : ( ..
أطفال بعضهم لايتعدى الـ 12 من عمره ويتفاخر -بغباء- بقبيلته ..
سرّني وجودك يا حسن ..
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
22 يوليو 2008 في الساعة 6:03 م
- سازو، بالعربي أرجوك
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
22 يوليو 2008 في الساعة 6:07 م
- منال ..
أعجبني حقيقة كلمتك بأن الوردي ربما خلق لنا سبباً لنرضى أنفسنا ببعض مآسي المجتمع ..
أسعدني حضورك وقرآة حرفك ..
مرحباً بك ..
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
24 يوليو 2008 في الساعة 12:08 م
- يبدو الكتاب جيداً،،،،لاحظت أنه مناسب للمجتمع السعودي أكثر من حيث فكرة القبلية.

- لكن أظن أنه من هذه الإقتباسات التي أوردتها أن الكتاب يمكن الإستفادة منه إذا نظرنا إلى فكرة الأخلاقيات.
- أعجبني الإقتباسين الأخيرين حقاً
- أظن أن سازو تقول لك: هذه هي القدرات، و شكراً لك على مجهودك
لكن يتعين عليها أن تكتب باللغة العربية بالفعل كما ذكرت
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
28 يوليو 2008 في الساعة 8:24 م
يقال ادا اردت ان تشكر احدا انتقي كلماتك من اللغة الفرنسية
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
30 يوليو 2008 في الساعة 9:04 ص
يقول المقطع الأخير :
“إننا لانستطيع إصلاح أخلاق الناس عن طريق المواعظ والنصائح على منوال ماكان القدماء يفعلون قديماً. الأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية التي تحيط بها. وما لم تتغير تلك الظروف فإننا لانأمل أن تتغير الأخلاق كما نهوى. وبهذا يصدق قول القائل : ” غير معيشة المرء تتغير أخلاقه”.”
في هذا المقطع تناقض فما كان يفعل قديماً وكان مجدياً مالذي يمنع أن يفعل الآن .
ثم إن التاريخ والواقع يثبتان أن الأخلاق يمكن أن تتغير بالمواعظ والنصائح وهذا خلاف ماذكر المؤلف .
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
2 أغسطس 2008 في الساعة 5:29 ص
- هاجر، الكتاب لا يتعلق فقط بالأخلاق والعادات القبلية فقط، بل يتحدث عن مجتمعين متضادين يتواجدان في كل مكان..
أهل الصعيد في مصر مثلاً وأهل الريف في مكان آخر ..
أشياء شبيهة بالبدو والحضر ..
أتمنى أن تتمتعي بقراءة الكتاب ..
شكراً لحضورك .. : )
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
2 أغسطس 2008 في الساعة 5:29 ص
- سازو، مرحباً بك والعفو
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0
2 أغسطس 2008 في الساعة 5:32 ص
- عبدالله سليمان، استقراء جميل للنص..
لكنني أعتقد أن المواعظ والنصائح لم يعد لها نفس المفعول الموجود سابقاً، العصر تغير ..
وأسلوب الحياة تغير ..
نعم قد نتفق في أن المواعظ أحياناً تصبح ذا فائدة لكنها ليست دائماً الأسلوب الأدوم والأمثل لتصحيح الأشياء ..
شكراً لحضورك
ما رأيك بالتعليق..؟
1
0
31 مارس 2009 في الساعة 2:37 م
كتـاب اضفتـه لمقتنياتي لهذا الشـهـر..
شكـرا لك ..
ما رأيك بالتعليق..؟
0
0