مصطفى السباعي، أسطر من حياته ..

1 يناير 2010 - مصنف في: سير ذاتية | كتب بواسطة: عقبة | عدد القراء:636 |

مصطفى السباعي، الداعية المجدد

لطالما سمعت عن الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله منذ صغري، ولطالما توج سمعي فضائله وشمائله الجمة حتى صدقت عيناي ذلك، وليس المعاين كالمخبر.

ومعاينتي هنا هي في قراءة سيرته الفذة وحياته الممتدة والتي لا أجد وصفاً أصدق مما قاله هو من حكمه ودرره التي فاق بها جميع أهل البيان والحكمة (الحياة طويلة بجلائل الأعمال قصيرة بسفاسفها). وأي حياة أطول من حياة الشيخ السباعي التي لم تتجاوز التاسعة والأربعين إلا بقليل، عندما نرى جلائل أعماله الكريمة من دعوة وجهاد وعلم وعمل وفداء وتضحية ومكارم أخلاق لا حصر لها ولا عدد.

لذلك فإن كتابة سفر عن السباعي رحمه الله أُعده من أصعب الأعمال وأجلها، فالرجل جمع من الخلال والصفات والأعمال ما يعجز عن الحديث عنها الكثير.

إلا أن الدكتور عدنان الزرزور ، رفيق الشيخ وتلميذه تصدى لهذه المهمة الصعبة، وألّف سفراً تجاوز الخمسمائة صفحة من الحجم الصغير يتحدث فيه عن حياة السباعي رحمه الله ومناقبه وأعماله (مصطفى السباعي الداعية المجدد)، وهو برأيي أفضل ما كتب عن السباعي رغم أن كاتبه يعترف قائلاً: (إن مؤلفاً واحداً لن يفي بشخصيته رحمه الله) ويعتبر أن كتابه هو (تعريف عام بنشأته ومراحل حياته وبأهم إنجازاته في ميدان الدعوة الإسلامية في بلاد الشام) أو (في ميادين الجهاد والسياسة والعلم والقلم). فاتحاً الباب لمؤلفات أخرى تتناول الجوانب الكثيرة لشخصيته المتفردة.

لقد كان السباعي شخصية متميزة ليس فقط على مستوى سورية ولا العالم العربي بل والعالم الإسلامي وأينما امتد المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها نظراً إلى عطائه وجهاده الذي بدأه منذ الثالثة عشرة من عمره وحتى وفاته وهو على مشارف الخمسين، فأي الرجال هو؟!

فتى لا يضم القلبُ هِمّات قلبه ولو ضمها قلب لما ضمها صدر..مصطفى السباعي

والكتاب يسير مع القارئ بمنهجية منظمة تبدأ بخلفية تاريخية ثقافية سياسية قبيل مولد الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله عام 1334هـ – 1915م ومن ثم تمضي حتى وفاة الشيخ عام 1384هـ – 1964م بقراءة دقيقة وشاملة لكافة الأحداث والأنشطة والأعمال التي كان السباعي رحمه الله جزءاً منها بل وفي القلب منها وصانعها كما كان رحمه الله.

وقد جاء السباعي امتداداً للخط الإصلاحي التجديدي الذي بدأ في المنطقة مع جمال الدين الأفغاني ثم محمد عبده والكواكبي ورشيد رضا وحسن البنا، وكان دور السباعي كبيراً ورائداً في نقل الدين في بلاد الشام من الحلقات والمساجد والزوايا إلى الحياة العامة وضمائر وعقول الناس خاصة بعد أن كان حلقة الوصل لمدارس الإصلاح في مصر والشام.

لقد كانت لكل مرحلة من مراحل حياة السباعي عنوان بارز أو غلبة جانب على جانب آخر فهو بدأ مشاركاً مصلحاً في الحياة العامة وخطيباً منبرياً ومن ثم طالب علم ومجاهداً في فلسطين ثم صحفياً كاتباً مبدعاً وسياسياً برلمانياً مصلحاً ذو مكانة عالية ومن ثم عالم ومؤلف عظيم وحكيم سطر أروع المعاني والبيان في كتبه، وأديباً يشف القلب لم يكتبه ومن ثم داعياً إلى الله بالحكمة والموعظة مناقشاً فذاً لكبار المستشرقين في أوروبا.

فأين اجتمعت كل هذه السمات والخصائص في رجال قلة كالسباعي وأمثاله؟!

هذا هو سر العظمة لدى الرجل والذي ارتفع به ليكون مصلحاً مجدداً لهذه الأمة في فترة حالكة كانت فيها بأشد الحاجة لمثل هذه النوعية من الرجال.

وكما أن هذا الكتاب لا يكفي -رغم حجمه وجودته- للإحاطة بشخصية السباعي الفذة، فإن هذه السطور تضيق عن الإحاطة بكامل الكتاب ، لكننا نلخص غير مخلين حياة السباعي رحمه الله بأعماله وإنجازاته ومآثره:

- فهو الفتى اليافع الذي كان يتحرق لأخبار المسلمين ويتلقف المجلات والجرائد التي تحكي ذلك.
- وهو الفتى الخطيب على منبر الجمعة يدعو إلى الله ويرغب بالخير ويحذر من المنكر.
- وهو الطالب الأزهري الذي أجاد فأبدع وكتب مقالات قيمة في مجلة الفتح أثنى عليها صاحبها محب الدين الخطيب ولم يكمل العشرين بعد.
- وهو المجاهد المقاتل في فلسطين الذي قرر مصير معركة القدس الكبرى بين العرب واليهود فحال دون سقوطها عام 1948م.
- وهو الأكاديمي اللامع الذي أسس كلية الشريعة بجامعة دمشق وتولى عمادتها.
- وهو الصحافي الكاتب الذي أسس مجلات (الشهاب) و (حضارة الإسلام) ومن قبل (المنار) كمنابر تدافع عن الحق وأهله وتدعو إلى الله على بصيرة.
- وهو السياسي البرلماني الأمين والذي برز كنائب عن دمشق في قبة البرلمان ينافح عن الحق ويحاور ويحارب من أجل تثبيت مادة الإسلام في لجنة كتابة الدستور السوري.
- وهو العالم المؤلف الأديب الذي ترك للمكتبة الإسلامية أروع الكتب وأكثرها قيمة وعلى رأسها (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) رداً على من هاجم السنة النبوية ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضد المستشرقين وأذنابهم.
- وهو الإسلامي الحركي الذي رفض أن يبقى الإسلام حبيس المساجد والحلق والزوايا فخرج به إلى الحياة على الصورة الوضاءة التي نزل بها، فكان قائداً ومؤسساً لجماعة الإخوان المسلمين في سورية.

إن هذا الكتاب لا مفر من قراءته واقتنائه، فمن الظلم المبين للنفس الجهل بشخصية مصلح عظيم كمصطفى السباعي رحمه الله.

مواضيع ذات صلة :

التعليقات 6 على (مصطفى السباعي، أسطر من حياته ..)

  1. منال:

    اكثر تلك الكتب التي تبني العزيمة والهمة هي التي تحكي عن سير العصاميين ،
    جميل جدا حقيقة وتوضيح رائع لشخص اجهل عنه الكثير ،ضُم الكتاب للقائمة شكرا جزيلا .

    ما رأيك بالتعليق..؟ Thumb up 0 Thumb down 0

  2. تركي:

    أجيال مضت من السابقين لن تلد النساء مثلهم في وقتنا الحالي ..

    أو نادرًا أن تجد مثلهم في وقتنا الحالي .. أصحاب همم عالية و إنجازات تتخطى الآفاق

    بارك الله فيك أخي .. و جزاك الله كل خير ..

    ما رأيك بالتعليق..؟ Thumb up 0 Thumb down 0

  3. اَلْجُمَآنْ..:

    لن يفوت بإذن الله ..
    خصوصا عندما يكون .. للسباعي ..
    شكرا جزيلا

    ما رأيك بالتعليق..؟ Thumb up 0 Thumb down 0

  4. احمد:

    رحمه الله .. كان أمة في رجل .. لم أسمع بأحد من المعاصرين فعل مثل فعله

    ما رأيك بالتعليق..؟ Thumb up 0 Thumb down 0

  5. الشجرة الأم:

    رحم الله مصطفى السباعي .. وأسكنه الله فسيح جناته .. آمين.

    بارك الله فيك أخي في الله على هذه الإفادة الخاصة بالشيخ الجليل وحياته العبقة ..

    ما رأيك بالتعليق..؟ Thumb up 0 Thumb down 0

  6. عمرو النواوى:

    حتى لو نسيناهم جميعاً ..
    لن ينسى الله من ساهموا فى توصيل رسالته إلى البشر .. إنهم خلفاء الأنبياء ..
    لو ضاع ذكر هؤلاء الناس بين البشر فذلك لأن دنيا البشر غافلة عن العظماء .. ولكنه محفوظ – بإذن الله – فى أعلى عليين .. فى اللوح المحفوظ ..
    رحمه الله رحمة واسعة وجعل علمه فى ميزان حسناتنا جميعاً ..

    ما رأيك بالتعليق..؟ Thumb up 0 Thumb down 0


هل تريد أن تعلق على الموضوع؟

                      

عدد الزوار