في الشهر الماضي…قرأت ثلاث روايات عربية، تنتمي كل منها إلى مدارس أدبية مختلفة، وكتبت بلغات وأساليب متنوعة، وبالطبع كان الموضوع والمحتوى مختلف من رواية لأخرى.
ولعل من المفارقات، التي تستدعي قليلاً من التوقف والتأمل، هو أن الروايات الثلاث، رغم اختلاف موضوعاتها، وأساليب كتابتها، إلا أن عناوينها كان فيه نوعٌ من التمازج والتقارب، فجميع عناوين الروايات ذات مدلولات جغرافية، وهذا حدث بالصدفة، من غير ترتيب أو تخطيط.
فالأولى كانت تحت عنوان “شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف، والثانية “الكنز التركي” للدكتور سيف الإسلام بن سعود آل سعود أما الثالثة فهي “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح.
قرأت الروايات على الترتيب السابق صدفة، ولم أكن متعمدًا أن أختار هذه العناوين على الترتيب كي أقرأها، لكن برغم ذلك، فإنه بالفعل….كانت رحلة “جغرافية-أدبية” بمعية أدب الرواية العربية، استمتعت بها، ومررت من خلالها بلحظات الخيبة والتشاؤم…ولحظات أخرى فيها من روح الأمل والتفاؤل، لحظات فيها حزن، وأخرى-على قلتها- سعادة، لكن بالفعل، شعرت بأن هذه الروايات تعكس واقعًا حقيقيًا يعيشه الكثيرُ من العرب.


في الرواية الأولى.”شرق المتوسط” لـ/عبدالرحمن منيف، وفي طبعتها الخامسة عشر الصادرة عن المركز الثقافي العربي، وبـ”243″ صفحة، نقرأ قطعة أدبية عربية عن أدب، يعكس واقعًا عربيًا في شتى الأمصار العربية، وهو أدب السجون، وهو أكثر أنواع الأدب مقاربة للواقع العربي.
عبدالرحمن منيف، لا أعلم إن كان ينقل تجربة شخصية له، أو لغيره، قد برع-ولايحتاج لشهادة مني في ذلك- في نقل وتصوير معاناة الإنسان العربي البائس، نتيجة للأنظمة السياسية التي تحكمه.
في الرواية، أسلوب جديد للمرة الأولى ألحظه، وهو أسلوب الأفلام الوثائقية، وكأننا نشاهد فيلمًا وثائقيًا، نستعرض من خلاله شهادة اثنين ممن تعرضوا لصنوف من الأذى النفسي والجسدي، صورة هنا وصورة هناك، مشهدٌ هنا، ومشهدٌ هناك، مرة بعين وتجربة “رجب”، ومرة بعين وتجربة أخته”أنيسة”….الألم الذي اعتصر أقوامًا، وأذلهم في المشرق……….هو عينه الألم الذي سحق أماني الأطفال وأحلامهم في المغرب، رواية على لسان شخصين، تُحاكي واقعًا عانى منه الملايين.
ولايكتفي “منيف” في ابتكار هذا الأسلوب الروائي الشيق، بل ويتعدى ليستخدم لغة، صريحة واقعية، فيها من ملامح السجون السياسية والقمع، فيها من البذاءة والسباب والشتائم، ألفاظ لا تُقال….نعم وماذا تتوقع من السجّان الذي لا يخاف الله سوى البذاءة في الكلام، والتعنت والصلف في الأسلوب؟؟!!!، وكذلك أجاد في استخدام هذه اللغة، لم يكن متحاملاًُ، ولا مُبالغًا فيما استخدم من لغة، ولعل ال”YouTube” ومايحوي من أفلام ألتقطت بعدسات الكاميرا لخير دليل على وجود أمثال هذه الأساليب واللغات، يستخدمها صاحب النفوذ العربي-أينما كان موقعه- أنّى، ووقت، وكيف يشاء.
هذه الرواية…باختصار “شمعة أضاءها عبدالرحمن منيف في ظلام السجون الدامس، ليفضح جزء بسيط من هذا العالم…هذا الجحيم”.
لقراءة موضوع أشمل عن رواية شرق المتوسط، اضغط هنا،،


الرواية الثانية.”الكنز التركي” لـ/سيف الإسلام بن سعود آل سعود، وفي طبعتها الأولى الصادرة عن دار الفارابي، وتقع في “238″ صفحة، وللوهلة الأولى يظن القارئ أنه بصدد قراءة رواية من روايات المغامرة والبحث عن الكنوز والجواهر، تلك الروايات والقصص الكلاسيكية، والتي في أغلبها تصل إلينا عن طريق السمع لا عن طريق القراءة، وبالفعل لا تختلف كثيرًا هذه الرواية في ذلك، إلا أن لكل إنسان ما نوى في حياته، فإذا كان البعض في رحلتهم نحو الكنز، قد نووا الحصول على الذهب والفضة والأموال، فإن البعض الآخر قد نوى من الرحلة، تَحدٍ آخر، قد يجد نفسه فيه، نفسه التي تعبت من التناقضات والظلم وميل ميزان العدل الذي أصبح سمة من سمات هذه الحياة.
الرواية هذه تقع في 8 فصول، وهي على غرار الرواية السابقة في الأسلوب الروائي، فصلٌ هنا وفصلٌ هناك، مشهدٌ هنا، ومشهدٌ هناك، إلا أن الفرق هنا، أن الانتقال لا يحدث بين شخصين، وإنما بين عالمين، في بقعة جغرافية واحدة، وإن تعددت فهي على الأقل مُتقاربة، عالم طُويت صفحته، وأمسى رهن كتب التاريخ، وعالمٌ آخر مازالت الحياة تدب فيه، ومازالت آخر خطوطه قيد التشكل.
الكنز التركي، تتحدث عن رحلة مجموعة من الأشخاص للبحث عن الكنز التركي، وهي ثروة كبيرة من الذهب، دفنتها الحامية العثمانية –التركية، التي كانت مُرابطة في المدينة المنورة، وذلك قبل رحيلها وللمرة الأخيرة من المدينة المنورة، إثر هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
التشويق والإثارة، الحب والكراهية، ونقد النفس الإنسانية، ملامح تتكرر في هذه الرواية، عبر شخصياتها المتنوعة، رواية تستحق القراءة بالفعل.


الرواية الثالثة.”موسم الهجرة إلى الشمال” للأديب السوداني/الطيب صالح، الصادرة عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، وفي “168″ صفحة، فهي أقصر الروايات.
رواية جميلة، وهي تختلف عن الروايتين السابقتين بأنها سردية، شخص واحد يسرد علينا الرواية، أو يسرد علينا تجربته مع شخص يكتنفه الغموض، والتساؤلات….. إنه مصطفى سعيد، ومازالت الأسئلة التي تدور حول شخصيته تبحث عن إجابات، نوع من الغموض أحيط بشخصية مصطفى سعيد، ذكي…ناجح…فحل…ومسكين، لم يجد في أي تحد خاضه سببًا للشعور بالسعادة.
في الخرطوم…في القاهرة…في لندن، وغيرها من العواصم، كان النجاح حليفه، أو هكذا نُقِل لنا.
حيثما أرتاد من أماكن، فإن له تأثير السحر على الفتيات، حتى وهو يمارس الجنس معهن، لم يكن يشعر بالسعادة، بقدر ما كان يشعر بأن تحدٍ آخر يخوضه، ولابد أن يجعل النجاح حليفه.
لم يرسب إلا في اختبار “جين مورس”، تلك العلامة الفارقة التي وجهت حياته فيما بعد، كان يستلذ بعذاب الفتيات…فاستلذت هي بعذابه، كان يظن نفسه قمة جبل لا تصلها أي فتاة، فوقع على وجهة حينما رأى قمتها، وكأن تشق السحاب…..”جين مورس” باءت معها كل الخطط والحللول بالفشل….”جين مورس” علاجها كان بنصل خنجر حاد زرعه مصطفى سعيد في صدرها.
ومع ذلك…..فلا زالت الأسئلة تدور حول مصطفى سعيد، حتى وهو يصف نفسه “أنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع” فإن الغموض مازال مخيمًا عليه.
كلمة واحدة أصدقها قالها عن نفسه…….”أنا لا أطلب المجد“…………كان يطلب شيء آخر….كان يطلب شيء آخر.
لقراءة موضوع أشمل عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال، اضغط هنا

إشارة لابد منها:
تفوقت رواية عبدالرحمن منيف على جميع الروايات السابقة في نهايتها القاطعة لأي فكرة أو شك قد تنتاب القارئ، فالرواية هي تجسيد لواقع مُر، ولا مكان هنا للخيارات، أما الروايتان التاليتان فلم تكن النهايات محسومة، بل شابها نوع من الغموض، الذي يستدعي إعمال فكر القارئ في النهاية.
وأيضًا إشارة أخرى لابد من ذكرها، وهي شكري وامتناني للأخ محمد على دعوته لي، وإتاحته الفرصة للمشاركة في واحدة من أكبر المراجع العربية للكتب….مدونة “كتب”، ولقد سعدت بدعوة أخي، وأتمنى أن تحوز قراءاتي للكتب على رضاكم………….أخوكم/ غانم